English


الرئيسية > الاصدارات > مقالات > تجربة الحركة النقابية المستقلة ودروسها

تجربة الحركة النقابية المستقلة ودروسها

الخميس, 22 تشرين الأول 2015
أحمد محمد عوض*
عمان نت- بدأت تتحدد ملامح تجربة الحركة النقابية العمالية المستقلة الأردنية غير المسبوقة، بعد مضي خمس سنوات، على تأسيسها لسد الفراغ الكبير الناشئ عن ضعف شديد عانت منه الحركة النقابية العمالية (الرسمية) ولا زالت.
أخذت التجربة تنضج من خلال اختبار أنظمتها الداخلية سواء على مستوى النقابات ذاتها، أو على مستوى اتحادها المستقل، لأن واقع الممارسة العملية والتحديات المتنوعة والمتجددة التي تواجهها يشكل المختبر الرئيسي لمدى صلاحية اللوائح الداخلية والممارسات الفعلية التي تنوعت خلال سنوات التأسيس القليلة الماضية.
 شكّل الغياب شبه المطلق لأي أدوار فعالة للحركة النقابية العمالية (الرسمية)، المعترف بها حكومياً، عن لعب دور اجتماعي واقتصادي وسياسي في الدفاع عن مصالح غالبية العاملين، إلى حدوث اختلال فاضح في موازين القوى بين المكونات الرئيسية للمجتمع، التي تتمثل في العاملين بأجر من جهة، وبين أصحاب الأعمال والإدارات العليا من جهة أخرى، إذ جرى ولا يزال تطوير وتنفيذ سياسات اقتصادية لا تأخذ بعين الاعتبار المصالح الأساسية للعاملين بأجر.
 نظرة بانورامية سريعة على ظروف العمل في الأردن تؤيد وجهة النظر هذه، ووفقاً للمؤشرات الإحصائية الرسمية، فإن ما يقارب 90% من العاملين في الأردن يحصلون على أجور تقل عن 500 دينار شهرياً، ومستويات التهرب التأميني من الضمان الاجتماعي ما زالت مرتفعة، وشروط الصحة والسلامة المهنية ضعيفة، وإصابات ووفيات العمل تحدث يومياً بشكل مكثف، والحرمان من الإجازات بمختلف أنواعها، وارتفاع معدلات البطالة، وبين فئة الشباب بشكل عام، إلى جانب تنامي أعداد الانتهاكات العمالية المتنوعة لمئات آلاف العاملين.
 أدت السياسات الاقتصادية خلال العقود القليلة الماضية إلى تراجع قدرات الاقتصاد الأردني على توليد فرص عمل جديدة بشكل ملموس، من خلال الإضرار بالعديد من القطاعات الإنتاجية، خاصة الصناعية، بسبب سياسات تحرير أسعار الطاقة وتحرير التجارة الخارجية، وفرض سياسات ضريبية ساهمت في رفع تكاليف مدخلات الإنتاج وأهمها الطاقة، التي تصل الضرائب عليها لمستويات تتراوح ما بين 26% و46%، ومجمل هذه السياسات تمت بتأييد كامل من الحركة النقابية الرسمية، وفي أحسن الأحوال سكوتها عنها.
 
وبعكس المنطق الذي يفترض أن يحكم آليات عمل أية حركة نقابية في العالم، فإن غالبية النقابات العمالية الرسمية وهيئاتها الاتحادية لدينا أصبحت مؤسسات بيروقراطية، شبه حكومية، الغالبية الكبيرة منها لا يتم انتخاب قياداتها بشكل حر، وحتى تلك التي تجري فيها انتخابات، فإنها انتخابات شكلية مرسومة وفق إيقاعات تضمن استمرار ذات الشخوص الذين يسيطرون عليها منذ عقود.
 وفي هذا السياق، نشأت حركة نقابية جديدة في الأردن، مؤخراً، لتعبئة فراغ خلّفه غياب الحركة الرسمية، واندماجها بالسياسات الرسمية الحكومية، وتمثّل ذلك في إنشاء العديد من النقابات العمالية المستقلة، ولجان تحضيرية لنقابات أخرى. وبالرغم من قصر تجربتها وتعدد خصومها، من داخل الحكومة وخارجها، والذين حاربوها بكامل قواهم وسلطاتهم. فإن هنالك دروس عدة مستفادة من التجربة الغنية لهذه الحركة، أهمها، أن مصدر قوة أي حركة نقابية عمالية، هو قوة النقابات ذاتها، التي تؤثر على قوة أية أطر اتحادية تنشأ بينها، وأن الاتحادات هي أطر طوعية، مهماتها زيادة قوة وتأثير النقابات على مستوى السياسات العامة، وأن أية أدوار خارج هذا الإطار، من شأنها أن تضعف النقابات وبالتالي تضعف أدوارها في تحسين شروط عمل من تمثلهم، وتتحول الاتحادات النقابية إلى مؤسسات مركزية للسيطرة على النقابات أعضائها.
 ومن الدروس المستفادة أيضاً، أن الاتحادات النقابية يجب أن تدار بالتوافق بين أعضائها، وهذا التوافق يستند إلى الحدود الدنيا من القواسم المشتركة فيما بين النقابات الأعضاء، وأن من شأن إدارتها وفقاً لمنطق ورغبات القائمين على قيادتها فقط، أو محاولة فرض منطق خارج نطاق التوافق، سيؤدي بالضرورة إلى إحداث شرخ في البنى الهيكلية الاتحادية الوليدة، وبالتالي يدفعها نحو الانقسام.
 تعبّر الاختلافات بين مكونات الاتحادات النقابية حول آليات العمل عن ذاتها بخلافات ذات طابع خاص، إلا أن الأسباب الحقيقية لها عادة ما تكون في منطق إدارتها، وفي آليات صناعة واتخاذ القرار. وهنالك العديد من الدروس المستفادة الأخرى الأقل أهمية، والتي لا يتسع المجال هنا لتعدادها.
 تجربة الحركة النقابية العمالية المستقلة غنية في تفاصيلها، رغم قصرها، وشكلت جذوة كحراك نقابي عمالي مستقل وديمقراطي، للتصدي إلى حالة التراجع التي يعيشها العاملون بأجر عبر تحسين ظروف عملهم ومعيشتهم، ولتطوير حالة من التوازن تخفف حدة التفاوتات التي تنخر الاستقرار الاجتماعي، والمضي قدماً نحو العدالة الاجتماعية، التي لا يمكن الوصول إليها، إلاّ بوجود قوى اجتماعية مدنية متوازنة قادرة على المساهمة في تطوير وإنفاذ تشريعات وسياسات متوازنة، مستندين بذلك إلى حاجة المجتمع الملحة، وإلى الشرعة العالمية لحقوق الإنسان ومعايير العمل الدولية.
 إن حالة المخاض التي تعيشها الحركة النقابية العمالية الأردنية المستقلة، في الوقت الراهن، كفيلة لأن يتم التركيز والاهتمام والعناية بالمنظمات النقابية ذاتها، حيث بدأت العديد منها بالعودة إلى قواعدها من العمال، وإجراء حوارات حول ظروف عملهم، وتطوير آليات لتحسينها، ما يؤشر إلى أن مستقبل هذه الحركة ما زال مبشراً، ويحمل الكثير من الخير للأردن وعمّاله.
 
*أحمد محمد عوض: باحث ومدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية.
http://ar.ammannet.net/news/258189