English


الرئيسية > الاصدارات > مقالات > منظومة حقوق الإنسان الدولية على المحك

منظومة حقوق الإنسان الدولية على المحك

السبت, 30 كانون الثاني 2016 مكان الاصدار: عمان نت
أحمد محمد عوض*
كشفت مختلف المعطيات المتعلقة بالأزمة الإنسانية الكبرى- التي تلت سرقة "الثورة السورية" من قبل بعض القوى الإقليمية والدولية، وتحويل ملايين السوريين إلى لاجئين ونازحين خارج وطنهم وداخله- عن هشاشة المنظومة الإنسانية الدولية في جانبين؛ تمثل الأول في ضعف تطبيق منظومة القيم الإنسانية التي تضمن لللاجئين حقوقهم الأساسية، والثاني في ضعف استجابتها إلى الحاجات الملحة لهؤلاء اللاجئين والنازحين في دول الجوار السوري التي استقبلتهم، في كل من الأردن ولبنان وتركيا.
 ما أن وطأت أقدام اللاجئين السوريين الأراضي الأوروبية، حتى بدأت الأصوات تتعالى من مختلف التيارات السياسية تطالب بعدم استقبالهم، بذريعة أن دول الاتحاد الأوروبي غير ملزمةٍ، وغير جاهزةٍ لاستقبال كتل بشرية من منطقة الشرق الأوسط، حتى لو كانوا لاجئين إنسانيين، ولم تكن مواقف التيارات السياسية في الولايات المتحدة وكندا بعيدة عن ردود الفعل الأوروبية في هذا المجال.
ورغم وجود تفاوت بين الطرق التي تعاملت بها الدول الأوروبية مع موضوع اللجوء السوري، واستيعاب طالبي اللجوء على أراضيها، ما بين مرحبٍ ورافض وما بينهما من مواقف وممارسات انتقائية، تبعاً لاختلاف الأسباب والمصالح التي تقف خلف ذلك. إلا أن الصور التلفزيونية العديدة التي شاهدها مئات ملايين البشر في مختلف أنحاء العالم، للطرق التي تعاملت بها العديد من الحكومات الأوروبية مع اللاجئين في أثناء دخولهم إلى دولها، إلى جانب وفاة ما يقارب أربعة آلاف لاجىء غرقاً خلال عبورهم البحر الأبيض المتوسط للوصول إلى بعض تلك الدول، خاصة اليونان وإيطاليا، لدليل على انهيار منظومة حقوق الإنسان الأوروبية عند محك استقبال اللاجئين السوريين.
 والأسوأ من ذلك، فقد تركزت غالبية إجراءات الاتحاد الأوروبي في التعامل مع ملف اللاجئين، حسب تقرير “هيومن رايتس ووتش” لعام 2015، الذي صدر قبل أيام، على تدابير للحد من وصولهم، وتقوية السيطرة على الحدود، والإسراع في عودة الأشخاص الذين لم يُمنحوا الحق في البقاء داخل الاتحاد. وليس كما هو متوقع، أن يتم استقبالهم كما قامت الدول المجاورة لسوريا، الأردن ولبنان وتركيا. ولم يقتصر الأمر عند هذا الحد، بل تجاوزه الى أن العديد من قادة الاتحاد الأوروبي أعلنوا أنهم يريدون في بلادهم لاجئين مسيحيين فقط.
 إن ذرائع مكافحة الإرهاب، التي تم استخدامها لتبرير هكذا مواقف وممارسات، لا يمكن لها أن تبرر المعاملة اللاإنسانية مع أي كان، وأن ممارسة حقوق الإنسان واحترامها أهم بكثير من الإعلان عن قبولها والمناداة بها، وهذه المواقف والممارسات لا تختلف كثيراَ عن مواقف وممارسات العديد من الدول التي تحفل سجلاتها بانتهاكات صريحة لحقوق الإنسان، فالتعامل مع اللاجئين يعتبر مفصلاً أساسياً لاختبار جدية التعامل مع ملف حقوق الإنسان على المستوى العالمي، باعتباره منظومة قيم واجب الالتزام بها، وليس التزاماً وظيفها لخدمة سياسات أو مصالح بعينها.
مجمل هذه المعطيات دفعت العديد من منظمات حقوق الإنسان الدولية والأوروبية والمدافعين عنها لتوجيه انتقادات شديدة إلى مواقف وممارسات غالبية دول الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مع ملف اللاجئين السوريين. كذلك هي دعوة لكافة المدافعين عن حقوق الإنسان في العالم، منظمات وأفراد، للتصدي لحالة الانهيار في منظومة حقوق الإنسان، وكان ملف اللجوء السوري آخر محكاتها.
 *أحمد محمد عوض: مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية والمعلوماتية