English


الرئيسية > الاصدارات > مقالات > المبادرة الأردنية على طاولة اجتماع لندن

المبادرة الأردنية على طاولة اجتماع لندن

السبت, 06 شباط 2016 مكان الاصدار: الرأي
لاقت المبادرة التي تقدم به الأردن مؤخرا والرامية الى ادماج القوى العاملة السورية في سوق العمل الأردني، ترحيب العديد من الأطراف ذات العلاقة بأزمة اللجوء السوري، وتلقفتها قوى دولية وإقليمية بحماس، ومن المتوقع أن تحتل مساحة وازنة في مناقشات مؤتمر الدول المانحة القادم المزمع عقده في العاصمة البريطانية لندن بعد أيام.
فهي تستند الى حقيقة أن الوجود السوري في الأردن لن يغادرنا مبكرا، حتى لو انتهت الأزمة السورية المتشعبة والمعقدة في وقت قريب، وتستند كذلك الى حقيقة اجتماعية وانسانية أخرى، تتمثل في أنه ما من قوة ادارية أو أمنية يمكنها منع السوريين القادرين على العمل من الانخراط في سوق العمل الأردني، بغض النظر عن طبيعة ظروف العمل التي سيعملون فيها، وأنه ليس من مصلحة الأردن ابقاؤهم فقراء من خلال منعهم من العمل طالما هم بحاجة له لتغطية نفقاتهم ونفقات أسرهم، في ظل ضعف الدعم الدولي المقدم لهم كلاجئين.
كذلك استندت هذه المبادرة الى الوضع الصعب الذي يعاني منه الاقتصاد الأردني، والذي تفاقم بشكل خطير خلال السنوات الخمس الماضية، جراء التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة، وخاصة استمرار الأزمة السورية. فمن جانب اتسعت سيطرة المنظمات الارهابية على العديد من المناطق والممرات الحدودية مع العراق وسوريا، ما أدى إلى إغلاق حدود الأردن معها، وهاتان الدولتان لعبتا دور الشريك التجاري الاستراتيجي للأردن لعقود مضت. ومن جانب آخر أدت الأزمة إلى تدفق 1.3 مليون سوري الى الأردن ما بين لاجىء وغير لاجىء، مما شكل ضغطا شديدا على الدولة والاقتصاد والمجتمع الأردني.
ترافق ذلك مع انكشاف هشاشة منظومة الحماية الانسانية الدولية والأوروبية خلال السنوات القليلة الماضية مع بداية دخول اللاجئين السوريين الى الأراضي الأوروبية، وتعالي العديد من الأصوات الأوروبية، وكذلك في أمريكا وكندا، التي تطالب بعدم استقبالهم، بحجج تزايد المخاطر الأمنية الناجمة عن استقبالهم، وأنهم يعتبرون قنابل موقوته بين ظهرانيهم على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الثقافية، وشكلت أزمة اللاجئين السوريين محكا لاختبار صدقية هذه المنظومة، التي لم تفلت منها الا أعداد محدودة جدا من الدول والمجتمعات الغربية.
شكلت هذه البيئة ارضية ملائمة لتسويق المبادرة الأردنية، باعتبارها فرصة، ليس فقط للأردن لتعزيز قدراته على تجاوز أزمته الاقتصادية والاجتماعية الصعبة، بل فرصة للدول الغربية في الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة لدمج اللاجئين السوريين في الدول الرئيسية المضيفة، مما سيساهم في التخفيف من موجات هجرتهم اليها، وفرصة للأردن للاستفادة المنظمة من دمج مئات الألآف من السوريين في اقتصاد صغير وضعيف، مما سيساهم في توسيعه وتعزيز قدراته.
ان من شأن استقطاب استثمارات نوعية وكبيرة الى الأردن وبناء تجمعات استثمارية، سواء كانت تجمعات تتمتع بميزات المناطق الحرة أم مناطق خاصة، أن يساهم بشكل كبير في تجاوز العديد من المشكلات التي يعاني منها الاقتصاد الأردني، ومن أهم منافعها زيادة قدرة الاقتصاد الوطني على خلق فرص عمل جديدة،بعد تراجعها الملموس خلال السنوات الماضية، ما أسهم في ارتفاع معدلات البطالة بشكل ملموس وخاصة لدى فئة الشباب. الا أن هذا يتطلب منا كأردنيين العمل على ادماج جملة من المعايير بهذه الاستثمارات الخارجية، لكي لا تتكرر تجربة المناطق الصناعية المؤهلة QIZ والتي تعتبر شروط العمل فيها الأسوأ في الأردن، وغير جاذبة للعمل، لم تقدم قيما مضافة هامة للاقتصاد الأردني.
أية استثمارات جديدة في اطار هذه المبادرة وهذا الزخم الدولي، عليها أن تأخذ بعين الاعتبار الأولويات التنموية الأردنية، من حيث التركيز على القطاعات الانتاجية القادرة على الاستدامة، وتوطين التقنيات اللازمة لها، والقادرة على خلق فرص عمل كثيفة ولائقة، واستيعاب المتعطلين عن العمل من جانب، واستيعاب خريجي المنظومة التعليمية الأردنية، الذين يقاربون 120 الف خريج سنويا، بالاضافة الى السوريين المتوقعين، وعليها أن تساهم كذلك في اعادة توزيع التنمية على المحافظات التي تشهد هجرة للشباب الى العاصمة عمان.
كذلك على أية استثمارات جديدة في اطار هذه المبادرة أن تلتزم بالمعايير الحمائية المتعارف عليها عالميا ولدى المؤسسات المالية الدولية ومنظمات حقوق الانسان ذات العلاقة، والتي تضمن احترام معايير العمل الدولية، وشروط العمل اللائق، والقبول بها دون تجزئة، ودون انتقائية، الى جانب المعايير التي تقلل المخاطر البيئية بمختلف عناصرها على المجتمعات المحلية، والتأكيد على عدم التعامل مع ضعف شروط العمل والبيئة باعتبارها ميزات تنافسية لجذب الاستثمارات الخارجية.
بهذه الطريقة يمكن أن تكون انعكاسات هذه المبادرة الهامة والذكية نقطة تحول في مسار تطور الاقتصاد الأردني، وتضيف قيما مضافة جديدة له،باعتبارها فرصة تاريخية يمكن استغلالها لاخراج الاقتصاد الوطني من أزماتها المتلاحقة، وتنعكس ايجابا على المجتمع. والمطلوب الأهم في هذا المجال عدم اضاعة هذه الفرصة كما ضاعت العديد من الفرص السابقة.
* مدير مركز الفينيق للدراسات الاقتصادية